طباع و خصال أهل منطقة جبلة
تتأثر الجماعات الإنسانية بمجموعة من الظروف و المؤثرات البيئية الجغرافية و الاقتصادية و الثقافية و الدينية فترتسم من خلالها هوية و طباع و شخصية هذه الجماعات و لو نظرنا إلى أصول هل منطقة جبلة لوجدنا أن العرب الذين عمروها في عهد الإسلام ينتمون إلى قبائل همدان و قيس و إياد , و همدان بطن من كهلان و القحطانية , و كانت ديارهم باليمن و أسلموا سنة 9 للهجرة , أما قيس و إياد فكلاهما بطن عظيم من العدنانية من أشهر القبائل العربية .
و لئن كان للوراثة آثارها , فأهل جبلة لا شك ورثوا عن هذه القبائل بعض الخصال و السجايا , كما أنهم تأثروا بمؤثرات البيئة و طبيعة الحياة و الموقع الجغرافي و بعض العوامل الأخرى , و يلخص الباحث المرحوم مصباح غلاونجي العوامل بـ :
1- البحر و الملاحة و الصيد .
2- السهل الواسع الخصيب و الزراعة .
3- سيرة السلطان إبراهيم بن أدهم و دفنه فيها .
4- الانعزال الجغرافي النسبي .
و لذلك فأهل جبلة تميل بشراتهم إلى السمرة قليلاً , و تقاطيع الوجه عربية النموذج بنيتهم قوية لا يميلون إلى الطول الفارع و لا إلى القصر فهم وسط بين ذلك , و كانوا قديماً موزعين بين صياد في البحر و فلاح في الأرض و الاثنان يجدَّان و يكدَّان بصبر و راحة بال و عيونهم رانية إلى السماء طافحة بالرجاء و الأمل لأن المواسم رهن بإرادة الله و هم شديدو التعلق به و الثقة بعطائه , صبورون متفائلون , و هذا ما ساعدهم على تماسكهم و تضامنهم و شيوع الألفة و المحبة بينهم .
والأرض و البحر هما دائماً منبع الخير و العطاء عندهم و سبباً لرحابة الصدر و الميل نحو السكينة و الهدوء , و أنت لن ترى أروع من البحر في هدوئه حتى تظن أنه لا يغضب و لكنه و الحق يغضب حتى تقول أنه لايصفو له حال , و لن ترى غاضباً كالبحر إذا عصفت به الريح , أليس في هذا بعضاً من شمائل العرب و صفاتهم ؟
و لقد أصبغ عليهم وجود إبراهيم بن أدهم و تداولهم لسيرته الأسطورية في التصوف و الزهد ملامح البساطة في العيش و الطيبة و التسامح و حبهم للغريب يعيش بينهم يتقربون منه و لا عجب فالجميع يتذكر هنا كيف كان النُسَّاك و الدراويش و الغرباء يقيمون بمحيط جامع السلطان إبراهيم بن أدهم و يُصْرَفُ عليهم من أوقافه الغنية , و هم لا يحبون وفادة الضيف فقط بل يحسنونها و خاصة في الريف .
و ساعد انعزال المدينة النسبي حيث لا يمر فيها طريق عام على إضفاء بعض الخصائص كالحفاظ على لهجتهم المميزة المحببة ردحاً من الزمن و ميلهم إلى كثرة التزاوج من بعضهم حتى شاع بينهم القول : ( زيوان البلد و لا حنطة جلب) , و حفاظهم على موروثهم الفولكلوري و الثقافي , و لم تبخل عليهم طبيعتهم الغنية منحتهم حساً شاعرياً راقياً و ميلاً فطرياً نحو الأدب و نسبة عالية من الذكاء و لذلك فشى بينهم العلم و كثر بينهم خريجو الجامعات في شتى العلوم حتى أعلى الدرجات و هم إلى ذلك يميلون ف اجتماعهم و سهرهم إلى شيء من الفكاهة و الظرف , و يحبون أن يكنّوا بعضهم بالكنى و الألقاب و إن مال هذا الآن للزوال , و الصحيح أن الوقع السريع لأيام هذا العصر و نمط الحياة الحالي قد بدأ يفعل فعله و يغير بعضاً من هذه الطباع كما الحال هو عند سواهم .
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|